الذكاء الاقتصادي

0
(0)

شهد العالم، عبر تاريخه الطويل، تطورات متلاحقة وتحولات بنيوية ووظيفية كان لها أثرها البالغ في طرق التفكير وأساليب العمل لدى الناس في كل المجتمعات بمختلف مستوياتهم الثقافية، الاقتصادية والاجتماعية، و أخذ المجتمع الصناعي يتخلى بشكل أو بآخر عن مكانته في التأثير والتوجه لمجتمع جديد هو مجتمع المعلومات الذي عرف بمسميات عديدة:كالمجتمع ما بعد الصناعي، ومجتمع ما بعد الحداثة، المجتمع الرقمي، المجتمع الكوني…الخ.

 هذا المجتمع الجديد يقوم أساسا على حرية تداول المعلومات دون قيد أو شرط ويساهم في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية منها والثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية وغيرها،.

 ويعتمد هذا المجتمع كما تؤكده الوقائع الموضوعية، ليس فقط على استثمار وتوظيف مختلف تكنولوجيات الإعلام والاتصال للقيام بمختلف الأعمال التنظيمية والإدارية في المؤسسة،ولكن على إنتاج المعلومات من جمع البيانات، وتصنيفها، وتخزينها واسترجاعها وتوزيعها وتقديم كافة الخدمات على نحو سريع وتحويل هذه المعلومات إلى سلعة قابلة للتداول عبر عمليات البيع والشراء وبتكلفة عالية المردود(2) الأمر الذي أثر بشكل كبير في انتعاش العديد من المؤسسات نظرا لفعالية ونجاعة هذه التقنية الحديثة.

 ولمواجهة العولمة، وتطورات تكنولوجيات المعلومات والاتصال، على المؤسسات استحداث أدوات جديدة لتتكيف مع التحديات والظروف التي تعمل فيها، حيث أصبحت المعلومات وسائل جديدة  للإنتاج مثل رأس المال والعمالة، من خلال إدارة المعلومات والمعرفة عن البيئة الخارجية للمؤسسة من أجل بناء ميزة تنافسية، هذه العملية لاتقصي استثمار البيئة الداخلية من خلال المعلومات المهمة التي جمعها أعضاء المؤسسة.

 وبعبارة أخرى، الاهتمام بكل ما يجري ويحدث في الأسواق، لأنها تساعد على حل المشاكل والوقاية منها، بأخذ القرارات المناسبة، وسبق المنافسين، وتطوير أساليب العمل والمنتوج في وقت وجيز، واليوم مع بروز الانترنيت أصبحت المعلومات متوفرة ولكن الأهم كيفية هيكلة هذه المعلومات وتحليلها وإثرائها وتوجيهها للهدف، بالإضافة إلى طرق البحث عن المعلومات والمراقبة وتسيير المعارف. إذا كيف يمكن التكيف باستمرار مع السياقات الداخلية والخارجية للمؤسسات؟

 ففي ظل هذه التطورات الحديثة، يعتبر الذكاء الاقتصادي من الأساليب الجديدة في علم الإدارة الحديثة،

 وانطلاقا مما سبق، تمحورت إشكالية مقالنا حول التساؤلات التالية:

 1.ماهية الذكاء الاقتصادي وامتداداته؟

 2. ماهي خصائصه؟

 3. كيف يتم رصد مختلف مراحل عملية الذكاء الاقتصادي؟

مفهوم الذكاء الاقتصادي

الذكاء الاقتصادي هو عملية البحث والتحليل ونشر وإثراء موارد المعلومات القائمة على نظام المعلومات بالمؤسسة. وهذه الأخيرة تلعب حلقة وصل بين المؤسسة والمحيط الذي تتواجد فيه، فالمؤسسات تستجيب لأدنى تغييرات في البيئة مع المحافظة على المعلومات، وعليه يمكن وضع استراتيجيات للحفاظ على قدرتها التنافسية وضمان استمراريتها.

خصائص الذكاء الاقتصادي

 1.   الاستخدام الاستراتيجي والتكتيكي للمعلومات ذات المزايا التنافسية في اتخاذ القرارات.

2.   وجود إدارة قوية لتنسيق جهود الأعوان الاقتصاديين.

3.   وجود علاقات قوية بين المؤسسات والجامعات والإدارات المركزية والمحلية.

4.   تشكيل جماعات الضغط والتأثير.

5.   إدماج المعارف العلمية، التقنية، الاقتصادية، القانونية والجيوسياسية.

6.   السرية في نشر المعلومات والحصول عليها بطريقة شرعية.

7.   دراسة الحاضر لاستقراء المستقبل، وتشخيص الأحداث والعوامل التي من شأنها ربط المكان والزمان.

عناصر الذكاء الاقتصادي

 يتألف نظام الذكاء الاقتصادي من ثلاث عناصر مترابطة ومتكاملة وهي اليقظـة الإستراتيجيـة، الأمـن والتأثيـر.

أ.اليقظة الإستراتيجية: تلعب اليقظة الإستراتيجية دورا متكاملا في نظام الذكاء الاقتصادي، حيث يمكن تلخيص دورها في أربعة وظائف وهي:

 1.التوقع: وهو توقعات لنشاط المنافسين أو تغيرات المحيط.

 2.الاكتشاف: اكتشاف منافسين جدد أو محتملين، مؤسسات التي يمكن شرائها أو التي يمكن إقامة شراكة معها من أجل التطوير، اكتشاف فرص في السوق.

 3.المراقبة: مراقبة تطورات عرض المنتجات في السوق، التطورات التكنولوجية أو طرق الإنتاج التي تسمح أو تستهدف النشاط.

 4.التعلم: تعلم خصائص الأسواق الجديدة، أخطاء و نجاح الآخرين (المنافسين)، مما يسهل تقدير المشاريع، وضع أسلوب جديد للتسيير أو بناء نظرة موحدة للمسيرين.

ب.الحماية: بالرغم من أن المبادرة تعد من أولويات معظم الأعمال المتعلقة بالذكاء الاقتصادي (الحصول واستغلال المعلومات النافعة للمؤسسة)، إلا أن الجانب الدفاعي للذكاء الاقتصادي لا يمكن تجاهله. كما تطرقنا في تعريف الذكاء الاقتصادي فهو مجموع النشاطات المتناسقة للبحث والتحليل والتوزيع ثم الاستغلال للمعلومة النافعة للمتعاملين الاقتصاديين. هذه النشاطات المختلفة تتم بكل التدابير القانونية مع توفير جميع ضمانات الحماية اللازمة للحفاظ على إرث المؤسسة في ظل أفضل شروط النوعية والآجال والنوعية.

ج.التأثير:التأثير هو استخدام المعلومة بطريقة تمكن المؤسسة من العمل على بيئتها لجعلها أكثر ملائمة لتحقيق أهدافها الإستراتيجية ومواجهة التيارات التي قد تكون ضارة.وللتأثير عدة وسائل أهمها التأثير عن طريق حملات الاتصال وهذا للتأثير على المستهلك، التأثير باستخدام التفكير أو ما يسمى للتأثير على قادة الرأي، وأخير التأثير عن طريق الضغط أو ما يطلق عليه (Lobbying) (38).

 مراحل الذكاء الاقتصادي

 من خلال الشكل التالي سنتطرق إلى أهم مراحل عملية الذكاء الاقتصادي(39).

https://revues.univ-ouargla.dz/images/banners/ASTimages/Ssocialesimages/S101501.png
نموذج الذكاء الاقتصادي

نماذج عالمية للذكاء الاقتصادي

 من بين النماذج الرائدة في مجال الذكاء الاقتصادي عبر العالم، نذكر مايلي:

أ.النموذج الياباني: يعتمد نظام الذكاء الاقتصادي في اليابان على الهيئات الحكومية، كوزارة التجارة الدولية والصناعة (MITI)، والتي يتمثل دورها الأساسي في مساعدة المؤسسات اليابانية وتوجيهها وإعلامها، كما يرتبط بهذه الوزارة كل من الجامعات اليابانية، الشركات التجارية العظمى التي تمول مراكز البحث والتطوير، المنظمات المهنية والهيئات الإدارية ذات الطابع البحثي والعلمي.

ب- النموذج الأمريكي: تميز شركات الذكاء الاقتصادي الأمريكية بحجمها الضخم والممتد إلى كافة أنحاء العالم. وتستخدم طاقات بشرية هائلة، ومثال ذلك مؤسسة KrollInternational التي توظف ما بين 5000-6000 أجير موزعين على 60 مكتب حول العالم، وتحقق رقم أعمال يقدر بحوالي 10مليار دولار سنويا(31). تعمل هذه المؤسسة على تحليل الخطر الاقتصادي والتجاري بناء على العوامل الستة التالية: الاستعلامات، الأعمال والتحقيقات،التحقق من السوابق المهنية، خدمات الأمن والحماية، أمن شبكات المعلومات، المساعدة القضائية والتحليل الاستراتجي والتنافسي.

 ج.النظام الفرنسي: بصفة عامة يهتم ويعنى الاتجاه الفرنسي بالمصلحة الفردية، أي أن كل واحد مسؤول عن نفسه فلا توجد- وإن وجدت فهي قليلة- ثقافة المعلومة الجماعية في المؤسسة، على عكس النظامين السابقين، يتميز النظام الفرنسي بوجود دور قوي للحكومة في ميدان الذكاء الاقتصادي إلى جانب المؤسسات العمومية الكبرى كما أن المبادرات العمومية في فرنسا تتغلب على كل ما هو خاص(32).

الخاتمة

إن طبيعة البيئة الديناميكية وماتمتاز به من تقلبات وعدم الاستقرار ،فرضت على المؤسسة تبني توجه أو وسيلة تسييرية جديدة لمواجهة المنافسة وهذا لضمان بقائها و استمراريتها، هذه الوسيلة الجديدة تقوم على أساس تسييرالمعلومة وأهميةهذه الأخيرة في المؤسسة وهذاما تتكفل به آ لية الذكاء الاقتصادي.

لذلك من الضروري على المؤسسة أن تتبناه من أجل مراقبة  وباستمرار تطور بعض العوامل التي لها تأثير كبير على المؤسسة، وكذلك شركائها في المحيط، فالمراقبة الفعالة للمحيط تسمح للمؤسسة بتوقع التطورات وتساعدها على التكيف في هذه البيئة، والمحيط ليس بالضرورة مصدرا للمشاكل والإكراهات فقد يكون كذلك مصدر للفرص .

المراجع

  1. جمال الدين سحنون و آخرون: “الذكاء الاقتصادي و أمن المؤسسة”، ملتقى دولي حول متطلبات تأهيل المؤسسات الصغيرة و المتوسطة في الدول العربية، جامعة حسيبة بن بوعلي، شلف، الجزائر، 17 و 18أفريل 2006، ص 1216

 2- Patrick Romagni et Valérie Wild : L’intelligence Economique au Service de L’entreprise, les presses du management, paris, 1998, p 120.

3- Arturo MENÉNDEZ et d’autres : Intelligence économique, guide pour débutants et praticiens, IDETRA, paris, 2003 , p 28.

4- Martinet B. et Marti Y-M,Opcit, p30

5- سونيا محمد البكري: نظم المعلومات الإدارية “المفاهيم الأساسية”،الدار الجامعية، الإسكندرية، 1998، ص110

 6- M.Lesca et L.Lesca, Gestion de l’Information : Qualité de l’Information et Performance de l’Entreprise, Litec, Paris, 1995,p24-26

7-  تير رضا: “دور الذكاء الاقتصادي في إرساء آليات الحكم الراشد من خلال البحث والتطوير: واقعه وآفاقه في الجزائر”، دون تاريخ نشر، ص 13.  https://revues.univ-ouargla.dz/index.php/numero-10-ssh/54-2013-04-22-11-27-41

Print Friendly, PDF & Email

قيمنا

0 / 5. 0

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

انتقل إلى أعلى